أحمد بن عميرة المخزومي
115
تاريخ ميورقه
على تلك الأودية ، فسالت وحقق ما كان فيها من الأمل ، واستفزّ باسم الله فيها من سبق له الشقاء في الأزل ، وقالوا ليس بين الدّينين تضاد ، والمسئ من نصادفه وهو عن القبول صاد . فصالحوا الروم على أداء ما كان يلزمهم ، وأمضوا من هذا الرأي ما اتفق عليه أعجزهم وأحزمهم ، وفتنوهم بما أظهروا لهم من كرامة يستحل قبولها الضعاف ، ويستحلى طعمها وهو السمّ الزعاف ، وهذا أعظم بلاء رمي به الناس ، وحق به البأس . فإن هؤلاء أعانوا النصارى بالأقوات والعلف ، ورفعوا عنهم ما كان أزعجهم وأعجزهم من الكلف ، واتخذوا منهم رجالا أنسوا منهم الإقبال ، فناطوا بهم الآمال ، وجلبوا لهم ألطافا ، وهزوا منهم أعطافا ، فاطمأنت بهم الدّار ، وتمكن لهم الحصار . ولولا أنهم هادوهم وهادنوهم ، وسكنوا إليهم وساكنوهم ، وأمروهم فأطاعوا ، وماروهم بما استطاعوا ، لانفضوا بسبب الإنفاض من الميرة « 1 » ، وكان إعسارهم بالنفقة موجبا مفارقة الجزيرة « 2 » .
--> ( 1 ) الميرة : الطعام يمتاره الإنسان ، وهي جلب الطعام للبيع . وهم يمتارون لأنفسهم ويميرون غيرهم ميرا . وقد مار عياله وأهله يميرهم ميرا وأمتار لهم . والميّار : جالب الميرة . ويقال للرّفقة التي تنهض من البادية إلى القرى لتمتار : ميّارة . لسان العرب ، ج 5 ، ص 188 . ( 2 ) تذكر الرواية المسيحية أن ابن عباد حين ارتد ودخل في خدمة الملك خايمي الأول ، قدم للمعسكر الصليبي عشرين فرسا محملة بالحبوب ولحوم الجديان والدجاج والعنب ، وقد حفظت هذه الميرة في أكياس . وظل ابن عباد رفقة من تنصر معه من أهل البادية يزودون المعسكر المسيحي بالمؤن والأغذية طوال فترة الحصار . فكانت هذه الخيانة من أسباب ضياع الجزيرة . ميجيل الكوبير ، الإسلام في ميورقة ، ص ص 70 - 71 .